أحمد بن محمد القسطلاني

248

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

يده ) من جسده أي : هل لاقت مكانًا طاهرًا منه أو نجسًا بثرة أو جرحًا أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد بلل المحل أو اليد بنحو عرق ، ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لفّ عليها خرقة مثلاً فاستيقظ وهي على حالها أنه لا كراهة . نعم يستحب غسلهما في الماء القليل ، فقد صح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غسلهما قبل إدخالهما في الإناء في حالة اليقظة فاستحبابه بعد النوم أولى ، ومن قال كمالك إن الأمر للتعبد لا يفرق بين شاكٍّ ومتيقن ، والأمر في قوله : فليغسل للندب عند الجمهور ، فإنه علّله بالشك في قوله : فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ، والأمر المضمن بالشك لا يكون واجبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة ، وحمله الإمام أحمد رحمه الله على الوجوب في نوم الليل دون نوم النهار لقوله في آخر الحديث : أين باتت يده ، لأن حقيقة المبيت تكون في الليل ، ووقع التصريح به في رواية أبي داود بلفظ : إذا قام أحدكم من الليل ، وكذا عند الترمذي وأجيب : بأن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل ، وإنما خصّ نوم الليل بالذكر للغلبة . قال الرافعي في شرح المسند : يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلاً أشد منها لمن نام نهارًا لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة وليس الحكم مختصًّاً بالنوم ، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد ، واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضرّ الماء خلافًا لإسحاق وداود وغيرهما ، وحيث ثبتت الكراهة فلا تزول إلا بتثليث الغسل كما نص عليه في البويطي ، وهي المطلوبة عند كل وضوء . قال الإمام : حتى لو كان يتوضأ من قمقمة فيستحب غسلها احتياطًا لتوقع خبث وإن بعد لا للحدث واحترز بالإناء عن البرك والحياض ، ويستفاد من الحديث استحباب غسل النجاسات ثلاثًا لأنه إذا أمر به في المشكوك ففي المحقق أولى ، والأخذ بالاحتياط في العبادات وأن الماء ينجس بورود النجاسة عليه وفي الإضافة إلى المخاطبين في قوله : فإن أحدكم إشارة إلى مخالفة نومه عليه الصلاة والسلام لذلك فإن عينه تنام ولا ينام قلبه . وهذا الحديث أخرجه الستة ، وهاهنا تنبيه وهو أنه ينبغي للسامع لأقواله عليه الصلاة والسلام أن يتلقاها بالقبول ودفع الخواطر الرادّة لها ، فقد بلغنا أن شخصًا سمع هذا الحديث فقال : وأين تبيت يده منه فاستيقظ من النوم ويده داخل دبره محشوّة فتاب عن ذلك وأقلع ، فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرديئة والله الموفّق . 27 - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ ( باب غسل الرجلين ) زاد أبو ذر فيما أفاده في الفتح ( ولا يمسح على القدمين ) أي إذا كانتا عاريتين وهي كذا في الفرع ثابتة من غير تعيين . 163 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : تَخَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنَّا فِي سَفْرَةٍ ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا . فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ « وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ » مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا . وبه قال : ( حدّثنا ) بالجمع وفي رواية أبي ذر حدّثني ( موسى ) بن إسماعيل التبوذكي ( قال : حدّثنا ) وفي رواية الأصيلي أخبرنا ( أبو عوانة ) بفتح العين المهملة الوضاح اليشكري ( عن أبي بشر ) بكسر الموحدة وسكون العجمة واسمه جعفر بن أبي وحشية الواسطي ( عن يوسف بن ماهك ) بكسر الهاء وفتحها منصرفًا وغير منصرف كما مرّ ( عن عبد الله بن عمرو ) أي ابن العاص رضي الله عنه أنه ( قال ) : ( تخلّف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنّا في سفرة ) من مكة إلى المدينة في حجة الوداع أو عمرة القضية ، ( فأدركنا ) بفتح الكاف أي لحق بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وفي رواية كريمة وأبي الوقت في سفرة سافرناها فأدركنا ( وقد أرهقنا العصر ) بسكون القاف من الإرهاق ونصب العصر مفعوله أي أخّرناها حتى دنا وقتها وهذه رواية أبي ذر ، ولكريمة والأصيلي أرهقتنا بتأنيث الفعل العصر بالرفع على الفاعلية ولمسلم رجعنا مع رسول الله " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر أي قرب دخول وقتها فتوضؤوا وهم عجال الحديث ( فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا ) بالجمع مقابلة للجمع فالأرجل موزعة على الرجال ( فنادى ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بأعلى صوته : ويل ) دعاء بوادٍ في جهنم ( للأعقاب ) أي لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها ( من النار ) أو العقاب خاص بالأعقاب إذا قصر في غسلها والألف واللام في الأعقاب للعهد أي الأعقاب المرئية إذ ذاك ، والعقب مؤخر القدم ( مرتين أو ثلاثًا ) أي نادى مرتين أو ثلاثًا واستنبط من هذا الحديث الرد على الشيعة القائلين